الفيض الكاشاني

28

أنوار الحكمة

بهذا الوجه ، وبعدها سائر الطرق الآفاقيّة على تفاوت مراتبها . وإلى الثلاث الإشارة بقوله عزّ وجلّ : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ 41 / 53 ] . ولك أن تقول : إنّ معرفته - عزّ وجلّ - على أيّ التقادير ، ليست إلّا به سبحانه ، كما أشار إليه الشيخ الفقيه محمّد بن عليّ بن بابويه - رحمه اللّه - بقوله « 1 » : « الصواب في هذا الباب هو أن يقال : « عرفنا اللّه باللّه » ، لأنّا إن عرفناه بعقولنا فهو - عزّ وجلّ - واهبها ، وإن عرفناه - عزّ وجلّ - بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام ، فهو - عزّ وجلّ باعثهم ومرسلهم ومتّخذهم حججا ، وإن عرفناه بأنفسنا فهو - عزّ وجلّ - محدثها ؛ فبه عرفناه . وقد قال الصادق عليه السلام : « لولا اللّه ما عرفناه ، ولولا نحن ما عرف اللّه » . ومعناه : لولا الحجج ما عرف اللّه حقّ معرفته ، ولولا اللّه ما عرف الحجج » - انتهى كلامه - ويشهد له قول اون عليك أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ 49 / 17 ] وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ 24 / 21 ] . تنبيه [ لا يعرف اللّه تعالى حقّ معرفته ] وليعلم أنّه لا يعرف اللّه حقّ معرفته إلّا اللّه لأنّ الخلق كلهم لا يعرفون إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع مدبّر ، حيّ ، عالم ، سميع ، بصير ، قادر ؛ وهذه المعرفة لها طرفان : أحدهما يتعلّق بالعالم ؛ ومعلومه احتياجه إلى مدبّر . والآخر يتعلّق باللّه ؛ ومعلومه أسام مشتقّة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات وماهيّته ؛ وقد ثبت أنّه إذا أشار المشير إلى شيء وقال : « ما هو ؟ »

--> ( 1 ) التوحيد : 290 ، آخر باب أنه عز وجل لا يعرف إلّا به .